عبد الرحمن السهيلي
46
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقوله مصفر استه : كلمة لم يخترعها عتبة ، ولا هو بأبي عذرها ، قد قيلت قبله لقابوس بن النعمان ، أو لقابوس بن المنذر ، لأنه كان مرفها لا يغزو في الحروب ، فقيل له : مصفر استه ، يريدون : صفرة الخلوق والطيب ، وقد قال هذه الكلمة قيس بن زهير في حذيفة يوم الهبائة ، ولم يقل أحد إن حذيفة كان مستوهاً ، فإذاً لا يصح قول من قال في أبي جهل من قول عتبة فيه هذه الكلمة : إنه كان مستوهاً والله أعلم . وسادة العرب لا تستعمل الخلوق والطيب إلا في الدعة والخفض وتعيبه في الحرب أشد العيب ، وأحسب أن أبا جهل لما سلمت العير ، وأراد أن ينحر الجزور ، ويشرب الخمر ببدر ، وتعزف عليه القيان بها استعمل الطيب أو هم به ، فلذلك قال له عتبة هذه المقالة ، ألا ترى إلى قول الشاعر في بني مخزوم : ومن جهلٍ أبو جهلٍ أخوكم * غزا بدراً بمجمرةٍ وتور يريد : أنه تبخر وتطيب في الحرب . وقوله : مصفر استه إنما أراد مصفر بدنه ، ولكنه قصد المبالغة في الذم فخص منه بالذكر ما يسوؤه أن يذكر . سواد بن غزية : فصل : وذكر قصة سواد بن غزية حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستنتل أمام الصف ، قال ابن هشام : ويقال : مستنصل . قوله : مستنتل أمام الصف ، يقال : استنتلت واستنصلت وأبرنذعت وابرنتيت بالراء المهملة وبالزاي ، هكذا تقيد في الغريب المصنف ، كل هذا إذا تقدمت . سواد هذا بتخفيف الواو ، وكل سواد في العرب ، فكذلك بتخفيف الواو وفتح السين ، إلا عمرو بن سواد أحد بني عامر بن لؤي من شيوخ الحديث ، وسواد بضم السين ، وتخفيف الواو ، هو ابن مري بن إراشةً بن قضاعة ثم من بلي حلفاء الأنصار ، ووقع في الأصل من كلام ابن هشام سواد مثقلة ابن غزية ، إنما الصواب ما تقدم ، وسواد هذا هو عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر الذي جاءه بتمر جنيب ، ذكره مالك في الموطأ ولم يسمه . وقول ابن هشام : مستنصل ، معناه : خارج من الصف من قولك : نصيت الرمح إذا أخرجت ثعلبة من السنان . تفسير بعض مناشدتك وذكر قول أبي بكر بعض مناشدتك ربك ، فإن الله منجز لك ما وعدك ، رواه غير ابن إسحاق كذلك مناشدتك ، وفسره قاسم في الدلائل ، فقال : كذلك قد يراد بها معنى الإغراء والأمر بالكف عن الفعل ، وأنشد لجرير : * كذاك القول إنّ عليك عينا * أي : حسبك من القول ، فدعه ، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأنجشة : يا أنجشه رويدك سوقك بالقوارير ، وأورده مرة أخرى فقال فيه شوفك وإنما دخله معنى النصب كما دخل : عليك زيداً معنى النصب ، وفي دونك ، لأنك إذا قلت دونك زيداً وهو يطلبه فقد أعلمته بمكانه فكأنك قلت : خذه ، ومسألة كذاك من هذا الباب لأنك إذا قلت : كذاك القول أو السير ، فكأنك قلت : كذاك أمرت فاكفف ودع ، فأصل البابين واحد وهو ظرف بعده ابتداء ، وهو خبر يتضمن معنى الأمر أو الإغراء بالشيء ، أو تركه ، فنصبوا بما في ضمن الكلام ، وحسن ذلك حيث لم يعدلوا عن عامل لفظي إلى معنوي ، وإنما عدلوا عن معنوي إلى معنوي ، ولو أنهم حين قالوا : دونك زيداً يلفظون بالفعل فيقولون : استقر دونك زيد ، وهم يريدون الإغراء به والأمر بأخذه لما جاز النصب بوجه ، لأن الفعل ظاهر لفظي ، فهو أقوى من المعنوي .